الجصاص

154

أحكام القرآن

موسع عليه في التأخير فهو أولى من الفرض الذي قام به غيره وسقط عنه بعينه ، وذلك مثل الاشتغال بصلاة الظهر في آخر وقتها هو أولى من تعلم علم الدين في تلك الحال إذ كان الفرض قد تعين عليه في هذا الوقت ، فإن قام بفرض الجهاد من فيه كفاية وغنى فقد عاد فرض الجهاد إلى حكم الكفاية كتعلم العلم ، إلا أن الاشتغال بالعلم في هذه الحال أولى وأفضل من الجهاد لما قدمنا من علو مرتبة العلم على مرتبة الجهاد ، فإن ثبات الجهاد بثبات العلم وإنه فرع له ومبني عليه . مطلب : يجوز الجهاد وإن كان أمير الجيش فاسقا فإن قيل : هل يجوز الجهاد مع الفساق ؟ قيل له : إن كل أحد من المجاهدين فإنما يقوم بفرض نفسه فجائز له أن يجاهد الكفار وإن كان أمير الجيش وجنوده فساقا . وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يغزون بعد الخلفاء الأربعة مع الأمراء الفساق ، وغزا أبو أيوب الأنصاري مع يزيد اللعين ، وقد ذكرنا حديث أبي أيوب أنه لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا عاما واحدا فإنه استعمل على الجيش رجل شاب ثم قال بعد ذلك : وما على من استعمل علي ؟ فكان يقول : قال الله تعالى : ( انفروا خفافا وثقالا ) فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا . فدل على أن الجهاد واجب مع الفساق كوجوبه مع العدول ، وسائر الآي الموجبة لفرض الجهاد لم يفرق بين فعله مع الفساق ومع العدول الصالحين . وأيضا فإن الفساق إذا جاهدوا فهم مطيعون في ذلك كما هم مطيعون لله في الصلاة والصيام وغير ذلك من شرائع الاسلام . وأيضا فإن الجهاد ضرب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولو رأينا فاسقا يأمر بمعروف وينهى عن منكر كان علينا معاونته على ذلك ، فكذلك الجهاد ، فالله تعالى لم يخص بفرض الجهاد العدول دون الفساق ، فإذا كان الفرض عليهم واحدا لم يختلف حكم الجهاد مع العدول ومع الفساق . مطلب : في وجوب الاستعداد للجهاد قوله تعالى : ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ) العدة ما يعده الانسان ويهيئه لما يفعله في المستقبل ، وهو نظير الأهبة ، وهذا يدل على وجوب الاستعداد للجهاد قبل وقت وقوعه ، وهو كقوله : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) الأنفال : 60 ] . وقوله تعالى : ( ولكن كره الله انبعاثهم ) ، يعني خروجهم ، لأن خروجهم كان يقع على وجه الفساد وتخذيل المسلمين وتخويفهم من العدو والتضريب بينهم ، والخروج